ابن قتيبة الدينوري
24
الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة
وإذا لم يجز ذلك فقد علم أن في سميع معنى غير معنى عليم والله يقول إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى « 1 » . وقالوا في كلام الله انه مخلوق لأن الله تعالى قال إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا « 2 » والجعل بمعنى الخلق ولأنه قال ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ « 3 » وكل محدث مخلوق وان معنى ( كلم الله ) أوجد كلاما و كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً « 4 » أوجد كلاما سمعه فخرجوا بهذا التأويل من اللغة
--> - إلى العلم ويرون انه عالم بذاته لا بصفة قديمة قائمة بذاتها فالأول كفر مكشوف في طريق التنزيه والثاني بدعة شنيعة في سبيل الاثبات ، وقد حمي الوطيس بين الأخيرين في تلك المسألة اما الأولان فبعيدان عن الجدارة بلفت نظر الناظر إليهما لبعد هما عن موجبات العقول والنقول ، واما الأخيران فكلا هما موضع اهتمام النظار ومعترك آرائهم . واستقر كلام المحققين على أن الثابت من الدين بالضرورة في ذلك هو ان الله عالم بكل شيء لا يعزب عن علمه شيء من المعلومات وانه سميع لا تخفى عليه خافية حتى دبيب النملة وهكذا ، وبعد اتفاق الأخيرين على ذلك وعلى استحالة قيام الحوادث به تعالى لا خطر في القول بأن علمه بذاته أو ان علمه بمعنى قديم قائم بذاته لأن قصارى ما ورد في الكتاب والسنة هي المشتقات المفيدة بوضعها ثبوت مصادرها للذات العلية والمعنى المصدري المدلول عليه بالوضع امر نسبي إضافي لا ينكر ثبوته الفريقان بل نزاعهما على مبدأ هذا الأمر النسبي هل هو الذات العلية أم معنى قديم قائم بها ؟ ولا يدل المصدر على هذا المعنى المتنازع فيه بوضعه وإذا دل تكون دلالته مجازية تسمى الحاصل بالمصدر . وابن حزم الظاهري انحاز إلى المعتزلة بمعنى كلامه في الفصل حتى بلغ به الأمر إلى ادعاء ان المشتقات الواردة في الكتاب والسنة في صفات الله سبحانه هي أسماء الله الحسنى الاعلام من غير ملاحظة اشتقاق فيها ووسع الخطى في الكلام بما ليس هذا محل بسطه . ويستشم من ظاهر كلام المصنف نوع من النزعة الكرامية مع عدم الفرق منه في هذا البحث الطويل بين صفات يستحيل اتصاف الذات العلية بأضدادها فتسمى ذاتية اما سلبية فيما إذا كانت معانيها عدمية وإما ثبوتية فيما إذا كانت معانيها وجودية ، وبين صفات يصح وصف الذات بها وبأضدادها فتسمى فعلية غير قائمة بها ، واجراء الجميع على وتيرة واحدة من الخائض في هذا البحث يؤدي إلى القول بقيام الحوادث به سبحانه فعليه اما ان يخوض خوض من يبقى عند حد التنزيه أو ان يفوض تفويض السلف في الصدر الأول . ( 1 ) طه 46 ( 2 ) الزخرف 3 ( 3 ) الأنبياء 2 ( 4 ) النساء 164